فصل: التّسبيح في السّجود

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تزيّن

التّعريف‏:‏

1 - التّزيّن هو‏:‏ اتّخاذ الزّينة، وهي في اللّغة‏:‏ اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به، من باب إطلاق اسم المصدر وإرادة المفعول‏.‏

وفي قوله عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها‏}‏ معناه لا يبدين الزّينة الباطنة كالقلادة والخلخال والدّملج والسّوار، والّذي يظهر هو الثّياب وزينة الوجه‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

التّحسّن، والتّحلّي‏:‏

2 - التّحسّن من الحسن، نقيض القبح‏.‏ ومعناه في اللّغة‏:‏ التّزيّن‏.‏ يقال‏:‏ حسّن الشّيء تحسيناً زيّنه، قال الرّاغب الأصفهانيّ‏:‏ الحسن أكثر ما يقال في تعارف العامّة في المستحسن بالبصر، وأكثر ما جاء في القرآن الكريم في المستحسن من جهة البصيرة‏.‏

3 - والتّحلية في اللّغة‏:‏ لبس الحليّ، يقال‏:‏ تحلّت المرأة‏:‏ لبست الحليّ أو اتّخذته، وحلّيتها - بالتّشديد - ألبستها الحليّ أو اتّخذته لها لتلبسه‏.‏

4 - والتّزيّن والتّجمّل والتّحسّن تكاد تكون متقاربة المعاني، وكلّها أعمّ من التّحلية لتناولها ما ليس حليةً، كالاكتحال وتسريح الشّعر والاختضاب ونحوها‏.‏

وقد فرّق بعضهم بين التّحسّن والتّجمّل، بأنّ التّحسّن من الحسن، وهو في الأصل الصّورة، ثمّ استعمل في الأخلاق والأفعال‏.‏ والتّجمّل من الجمال، وهو في الأصل للأفعال والأخلاق والأحوال الظّاهرة، ثمّ استعمل في الصّور‏.‏

أمّا الفرق بين كلّ من التّحسّن والتّجمّل، وبين التّزيّن، فقيل‏:‏ إنّ التّزيّن يكون بالزّيادة المنفصلة عن الأصل، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِمَصَابِيحَ‏}‏‏.‏

وقال القرطبيّ‏:‏ الزّينة المكتسبة ما تحاول المرأة أن تحسّن نفسها به، كالثّياب والحليّ والكحل والخضاب، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏‏.‏

أمّا كلّ من التّحسّن والتّجمّل فيكون بزيادة متّصلة بالأصل أو نقصان فيه، كما تفيده الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ‏}‏‏.‏

الحكم التّكليفي

5 - الأصل في التّزيّن‏:‏ الاستحباب، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه وَالطَّيِّبَاتِ مِن الرِّزقِ‏}‏ وقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أنعمَ اللّه عليه نعمةً، فإنَّ اللّه يحبّ أن يَرَى أَثَرَ نعمته عليه»‏.‏

ففي هذه الآية دلالة على استحباب لبس الرّفيع من الثّياب، والتّجمّل بها في الجمع والأعياد وعند لقاء النّاس وزيارة الإخوان‏.‏ قال أبو العالية‏:‏ كان المسلمون إذا تزاوروا تجمّلوا‏.‏ وقد روى مكحول عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «كان نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدّار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول اللّه‏.‏ وأنت تفعل هذا ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه، فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال»‏.‏

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة تدلّ كلّها على مشروعيّة التّزيّن وتحسين الهيئة‏.‏

6- وينبغي ألاّ يقصد بالتّزيّن التّكبّر ولا الخيلاء، لأنّ قصد ذلك حرام‏.‏

قال ابن عابدين في حاشيته ما نصّه‏:‏ اعلم أنّه لا تلازم بين قصد الجمال وقصد الزّينة، فالقصد الأوّل‏:‏ لدفع الشّين وإقامة ما به الوقار وإظهار النّعمة، شكراً لا فخراً، وهو أثر أدب النّفس وشهامتها‏.‏

وأمّا الثّاني‏:‏ وهو قصد الزّينة أثر ضعفها، وقالوا بالخضاب وردت السّنّة ولم يكن لقصد الزّينة‏.‏ ثمّ بعد ذلك إن حصلت زينة فقد حصلت في ضمن قصد مطلوب فلا يضرّه إذا لم يكن ملتفتاً إليه‏.‏ ولهذا قال في الولوالجيّة‏:‏ لبس الثّياب الجميلة مباح إذا كان لا يتكبّر، لأنّ التّكبّر حرام، وتفسيره أن يكون معها كما كان قبلها‏.‏

7- هذا، وقد تعرض للتّزيّن أحكام تكليفيّة أخرى، فمنه ما هو واجب، وما هو مكروه، وما هو حرام‏.‏

ومن أمثلة ما هو واجب‏:‏ ستر العورة، وتزيّن الزّوجة لزوجها متى طلب منها ذلك‏.‏

ومن أمثلة ما هو مستحبّ‏:‏ تزيّن الرّجل للجمعة والعيدين، وخضاب الشّيب للرّجل والمرأة‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ اختضاب‏)‏‏.‏ ومن أمثلة ما هو مكروه‏:‏ لبس المعصفر والمزعفر للرّجال‏.‏

ومن أمثلة ما هو حرام‏:‏ تشبّه الرّجال بالنّساء والعكس في التّزيّن، وتزيّن الرّجل بالذّهب ولبسه الحرير إلاّ لعارض‏.‏ وتزيّن معتدّة الوفاة‏.‏ وتزيّن المحرم بما أمر باجتنابه كالطّيب‏.‏ وتزيّن المرأة لغير زوجها، وهذا في الجملة وتفصيلها في مواضعها‏.‏

ما يكون به التّزيّن

8 - لكلّ شخص زينته الّتي يتزيّن بها، فمثلاً زينة الزّوجة لزوجها في ملبسها وحليّها وطيبها، وزينة الرّجل يوم الجمعة والعيدين أن يلبس أحسن ثيابه، ويفضّل البياض منها، ويتطيّب‏.‏

9 - ويحرم على الرّجل التّزيّن بالحرير، والتّحلّي بالذّهب، لما روي «أنّه صلى الله عليه وسلم أخذ في يمينه قطعة حرير وفي شماله قطعة ذهب، وقال‏:‏ هذان حرام على ذكور أمّتي» ولما روي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تَلْبِسُوا الحرير، فإنّ من لَبِسه في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة» ولما في ذلك بالنّسبة للرّجل من معنى الخيلاء والرّفاهية ممّا لا يليق بالرّجال، وهذا ما قاله الفقهاء‏.‏ وذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى‏:‏ أنّه يكره للرّجل لبس المعصفر والمزعفر، وقال عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما‏:‏ «رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال‏:‏ إنّ هذا من ثياب الكفّار فلا تلبسهما» ويحرم عند بعض الشّافعيّة المزعفر دون المعصفر‏.‏ وفي قول آخر‏:‏ عندهم يحرم المعصفر كذلك‏.‏

وعند الحنفيّة والمالكيّة‏:‏ يكره لوليّ الصّغير إلباسه الذّهب والحرير، وأجازوا إلباسه الفضّة على المعتمد‏.‏ وللشّافعيّة والحنابلة في ذلك قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الجواز‏.‏ والثّاني‏:‏ المنع، لعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الحرير والذّهب حرام على ذكور أمّتي، وحِلٌّ لإناثهم»‏.‏

وجاز للمرأة التّزيّن بالملبوس، ذهباً أو فضّةً أو محلًّى بهما أو حريراً، أو ما يجري مجرى اللّباس من زرّ وفرش ومساند، ولو نعلاً وقبقاباً، وتفصيله في بحث‏:‏ ‏(‏ألبسة‏)‏‏.‏

10 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يحرم على الرّجال أن يتشبّهوا بالنّساء في الحركات ولين الكلام والزّينة واللّباس وغير ذلك من الأمور الخاصّة بهنّ عادةً أو طبعاً‏.‏ وأنّه يحرم على النّساء أيضاً أن يتشبّهن بالرّجال في مثل ذلك، لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما‏:‏

«لعن رسول اللّه المتشبّهين من الرّجال بالنّساء، والمتشبّهات من النّساء بالرّجال»‏.‏

وضبط ابن دقيق العيد ما يحرم التّشبّه بهنّ فيه‏:‏ بأنّه ما كان مخصوصاً بهنّ في جنسه وهيئته أو غالباً في زيّهنّ، وكذا يقال عكسه‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ تشبّه‏)‏‏.‏

التّزيّن في المناسبات

11 - يستحبّ التّزيّن عند الفقهاء للجمع والأعياد، وعند لقاء النّاس وتزاور الإخوان‏.‏ وذلك بلبس أحسن الثّياب والتّطيّب، وكذلك التّنظيف بحلق الشّعر وقلم الظّفر والسّواك والاغتسال أيّام العيد والجمعة، لما روي ‏{‏أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر والأضحى‏}‏ وروي أيضاً ‏{‏أنّه صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع إنّ هذا يوم جعله اللّه عيداً للمسلمين، فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضرّه أن يمسّ منه، وعليكم بالسّواك‏}‏ وروى جابر رضي الله عنه ‏{‏أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعتمّ، ويلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة‏}‏‏.‏ وقد روى مكحول «عن عائشة قالت‏:‏ كان نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم وفي الدّار ركوة فيها ماء فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره، فقلت يا رسول اللّه وأنت تفعل هذا ‏؟‏ قال نعم، إذا خرج الرّجل إلى إخوانه فليهيّئ من نفسه فإنّ اللّه جميل يحبّ الجمال» ‏(‏ر‏:‏ تحسين ف 7 - 10‏)‏‏.‏ وهذا كلّه بالنّسبة للرّجال، والإمام بذلك أحقّ لأنّه المنظور إليه من بينهم‏.‏ والتّفصيل ينظر في بحثي‏:‏ ‏(‏جمعة وعيد‏)‏‏.‏

التّزيّن للصّلاة

12 - يستحبّ التّزيّن للصّلاة خشوعاً للّه واستحضاراً لعظمته، لا تكبّراً وخيلاء، فإنّه حرام‏.‏ والمستحبّ للرّجل أن يصلّي في ثوبين أو أكثر، فإن لم يجد إلاّ واحداً يتوشّح به جاز، لحديث‏:‏ «إذا صلّى أحدكم فليلبس ثوبيه فإنّ اللّه أحقّ من تزيّن له»‏.‏

قال ابن قدامة في بيان الفضيلة في لباس الصّلاة‏:‏ وهو أن يصلّي في ثوبين أو أكثر، فإنّه إذاً أبلغ في السّتر، يروى عن عمر رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ إذا أوسع اللّه فأوسعوا، جمع رجل عليه ثيابه، وصلّى رجل في إزار وبرد، أو في إزار وقميص‏.‏ في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبّان وقميص‏.‏ وروى أبو داود عن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو قال عمر‏:‏ «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلّ فيهما، فإن لم يكن إلاّ ثوب واحد فَلْيَتَّزر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود»‏.‏ قال التّميميّ‏:‏ الثّوب الواحد يجزئ، والثّوبان أحسن، والأربع أكمل‏:‏ قميص وسراويل وعمامة وإزار‏.‏ وروى ابن عبد البرّ عن عمر رضي الله عنه‏:‏‏"‏ أنّه رأى نافعاً يصلّي في ثوب واحد، قال‏:‏ ألم تكتس ثوبين‏:‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فلو أُرسلتَ في الدّار، أكنتَ تذهب في ثوب واحد ‏؟‏ قلت لا‏.‏قال‏:‏ فاللّه أحقّ أن يُزَّيَّنَ له أو النّاس ‏؟‏ قلت‏:‏ بل اللّه‏"‏‏.‏ وقال القاضي‏:‏ ذلك في الإمام آكد منه في غيره، لأنّه بين يدي المأمومين، وتتعلّق صلاتهم بصلاته‏.‏ فإن لم يكن إلاّ ثوب واحد فالقميص، لأنّه أعمّ في السّتر، فإنّه يستر جميع الجسد إلاّ الرّأس والرّجلين، ثمّ الرّداء، لأنّه يليه في السّتر، ثمّ المئزر، ثمّ السّراويل‏.‏ ولا يجزئ من ذلك كلّه إلاّ ما ستر العورة عن غيره وعن نفسه‏.‏ والتّفصيل في بحث ‏(‏ألبسة‏)‏‏.‏

التّزيّن في الإحرام

13 - يجوز للمرأة المحْرِمة أن تلبس ما أحبّت من ألوان الثّياب والحليّ، إلاّ أنّ في لبسها القفّازين والخلخال خلافاً بين الفقهاء‏.‏ فرخّص فيه عليّ وعائشة رضي الله عنهما، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة، وهو أحد قولي الشّافعيّ‏.‏ ومنعه ابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال طاوس ومجاهد والنّخعيّ ومالك وأحمد، وهو القول الآخر للشّافعيّ‏.‏

وحمل بعضهم كلام أحمد في منع الخلخال على الكراهة‏.‏ ويحرم لبس المخيط اتّفاقاً للرّجال‏.‏

ولا يجوز التّزيّن بالتّطيّب والحلق أو التّقصير وتقليم الأظفار ونحوها أثناء الإحرام مطلقاً، سواء أكان المحرم رجلاً أم امرأةً‏.‏ ويسنّ التّطيّب في البدن استعداداً للإحرام عند جمهور الفقهاء‏.‏ أمّا التّطيّب في الثّوب قبل الإحرام فمنعه الجمهور، وأجازه الشّافعيّة في المعتمد عندهم‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏إحرام، وتحلية‏)‏‏.‏

التّزيّن في الاعتكاف

14 - يجوز للمعتكف عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة التّزيّن بالتّطيّب ولبس الثّياب الحسنة وأخذ الظّفر والشّارب ونحوه، لكنّ المالكيّة صرّحوا بكراهة قلم الأظفار وقصّ الشّارب داخل المسجد، كما قالوا بكراهة حلق رأسه مطلقاً إلاّ أن يتضرّر‏.‏

ويستحبّ عند الحنابلة أن يترك المعتكف لبس رفيع الثّياب، والتّلذّذ بما يباح له قبل الاعتكاف‏.‏ ويكره له أن يتطيّب، لكن لا بأس بأخذ شعره وأظفاره عندهم‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ اعتكاف‏)‏‏.‏

تزيّن كلّ من الزّوجين للآخر

15 - يستحبّ لكلّ من الزّوجين أن يتزيّن للآخر، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذِيْ عَلَيهِنَّ بِالمَعْرُوفِ‏}‏ فالمعاشرة بالمعروف حقّ لكلّ منهما على الآخر، ومن المعروف أن يتزيّن كلّ منهما للآخر، فكما يحبّ الزّوج أن تتزيّن له زوجته، كذلك الحال بالنّسبة لها تحبّ أن يتزيّن لها‏.‏

قال أبو زيد‏:‏ تتّقون اللّه فيهنّ، كما عليهنّ أن يتّقين اللّه فيكم‏.‏

وقال ابن عبّاس رضي الله عنهما‏:‏ إنّي لأحبّ أن أتزيّن للمرأة، كما أحبّ أن تتزيّن لي، لأنّ اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذي عَليهِنَّ بِالمَعْرُوفِ‏}‏، وحقّ الزّوج عليها أعظم درجةً من حقّها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللرجالِ عليهنّ درجةٌ‏}‏‏.‏

وكان محمّد بن الحسن يلبس الثّياب النّفيسة، ويقول‏:‏ إنّ لي نساءً وجواري، فأزيّن نفسي كي لا ينظرن إلى غيري‏.‏

وقال أبو يوسف‏:‏ يعجبني أن تتزيّن لي امرأتي، كما يعجبها أن أتزيّن لها‏.‏

ومن الزّينة في هذا المقام‏:‏ أنّه إن نبت شعر غليظ للمرأة في وجهها، كشعر الشّارب واللّحية، فيجب عليها نتفه لئلاّ تتشبّه بالرّجال، فقد روت امرأة بن أبي الصّقر - وهي العالية بنت أيفع - رضي الله عنها، أنّها كانت عند عائشة رضي الله عنها فسألتها امرأة فقالت‏:‏ يا أمّ المؤمنين إنّ في وجهي شعرات أفأنتفهنّ‏:‏ أتزيّن بذلك لزوجي ‏؟‏ فقالت عائشة‏:‏‏"‏ أميطي عنك الأذى، وتصنّعي لزوجك كما تصنعين للزّيارة، وإن أمرك فأطيعيه، وإن أقسم عليك فأبرّيه، ولا تأذني في بيته لمن يكره ‏"‏‏.‏

وإن نبت في غير أماكنه في وجه الرّجل فله إزالته، حتّى أجاز الحنفيّة للرّجل الأخذ من الحاجبين إذا فحشا‏.‏ فإذا أمر الزّوج زوجته بالتّزيّن له كان التّزيّن واجباً عليها، لأنّه حقّه، ولأنّ طاعة الزّوج في المعروف واجبة على الزّوجة‏.‏

تأديب الرّجل زوجته لترك الزّينة

16 - من حقوق الزّوج على زوجته أن تتزيّن له بالملبس والطّيب، وأن تحسّن هيئتها وغير ذلك، ممّا يرغّبه فيها ويدعوه إليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خير النّساء الّتي تسرّه إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها وماله» فإن أمر الزّوج زوجته بالتّزيّن فلم تتزيّن له كان له حقّ تأديبها، لأنّ الزّينة حقّه‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهمْ، فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلغَيبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيهنَّ سَبِيلاً إنَّ اللّهَ كانَ عَلِيَّاً كَبِيراً‏}‏‏.‏

تزيّن المعتدّة

17 - المعتدّة للوفاة لا يجوز لها التّزيّن اتّفاقاً لوجوب الإحداد عليها لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجَاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفسِهنَّ أَرْبَعةَ أَشْهرٍ وَعشرَاً‏}‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللّه واليوم الآخر أنْ تُحِدَّ على ميّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلاّ على زوجِها فإنّها تحدّ عليه أربعةَ أشهر وعشراً»‏.‏

وكذلك المعتدّة للطّلاق البائن عند الحنفيّة، وهو القول القديم للشّافعيّ‏:‏ لا يجوز لها التّزيّن، حداداً وأسفاً على فوت نعمة النّكاح الّذي هو سبب لصونها وكفاية مؤنتها، ولحرمة خطبتها، وعدم مشروعيّة الرّجعة‏.‏

ويستحبّ لها الحداد وترك الزّينة عند المالكيّة، وهو الأظهر في الجديد عند الشّافعيّة، ويباح لها الزّينة عند الحنابلة‏.‏

وأمّا المطلّقة الرّجعيّة فلها أن تتزيّن، لأنّها حلال للزّوج لقيام نكاحها، والرّجعة مستحبّة والتّزيّن حامل عليها، فيكون مشروعاً، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة‏.‏

أمّا الشّافعيّة‏:‏ فقد روى أبو ثور عن الشّافعيّ رحمهما الله أنّه يستحبّ لها الإحداد، وحيث كان كذلك فلا يستحبّ لها التّزيّن‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ الأولى أن تتزيّن ممّا يدعو الزّوج إلى رجعتها‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏إحداد، عدّة‏)‏‏.‏

الجراحة لأجل التّزيّن

أوّلاً - تثقيب الأذن‏:‏

18 - جمهور الفقهاء على أنّ تثقيب أذن الصّغيرة لتعليق القرط جائز، فقد كان النّاس يفعلونه في زمن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غير إنكار، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى يوم العيد ركعتين، لم يُصَلِّ قبلهما ولا بعدهما، ثمّ أتى النّساء - ومعه بلال - فأمرهنّ بالصّدقة، فجعلت المرأة تُلْقي قرطها»‏.‏

ونقل عميرة عن الغزاليّ الحرمة، لأنّه جرح لم تدع إليه ضرورة إلاّ أن يثبت فيه شيء من جهة الشّرع، ولم يبلغنا ذلك‏.‏ قال عميرة‏:‏ واعترض بحديث أمّ زرع الّذي فيه‏:‏ «وأناس من حليّ أذنيّ» لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع»‏.‏

واتّفقوا على كراهة ذلك في الصّبيّ‏.‏

ثانياً - الوشم والوشر‏:‏

19 - ومن أنواع الجراحة أيضاً من أجل التّزيّن‏:‏ ما اعتاده بعض النّاس من الوشم والوشر الواردين في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏

«لعن اللّه الواشمات، والمستوشمات والنّامصات والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق اللّه»، وفي رواية‏:‏ «نهى عن الواشرة»‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ هذه الأمور محرّمة، نصّت الأحاديث على لعن فاعلها، ولأنّها من باب التّدليس، وقيل‏:‏ من باب تغيير خلق اللّه تعالى‏.‏

ففي الآية‏:‏ ‏{‏وَلآَمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ‏}‏‏.‏

قال ابن عابدين‏:‏ النّهي عن النّمص أي نتف الشّعر محمول على ما إذا فعلته لتتزيّن للأجانب، وإلاّ فلو كان في وجهها شعر ينفر زوجها بسببه، ففي تحريم إزالته بُعد، لأنّ الزّينة للنّساء مطلوبة، ثمّ قال‏:‏ إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا تحرم إزالته، بل تستحبّ‏.‏

ولا بأس بأخذ الحاجبين وشعر وجهه ما لم يشبه المخنّث‏.‏

وصرّح المالكيّة بأنّه لا بأس بإزالة شعر الجسد في حقّ الرّجال، أمّا النّساء فيجب عليهنّ إزالة ما في إزالته جمال لها - ولو شعر اللّحية إن لها لحية - وإبقاء ما في بقائه جمال‏.‏ والوجوب قول الشّافعيّة أيضاً إذا أمرها الزّوج‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ وأمّا حفّ الوجه فقال مهنّا‏:‏ سألت أبا عبد اللّه عن الحفّ ‏؟‏ فقال‏:‏ ليس به بأس للنّساء، وأكرهه للرّجال‏.‏ وللتّفصيل‏:‏ ‏(‏ر‏:‏ تحسين‏)‏‏.‏

ثالثاً - قطع الأعضاء الزّائدة‏:‏

20 - يجوز قطع أصبع زائدة، أو شيء آخر كسنّ زائدة إن لم يكن الغالب منه الهلاك عند الحنفيّة‏.‏ ونقل القرطبيّ عن عياض‏:‏ أنّ من خلق بإصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه، لأنّه من تغيير خلق اللّه‏.‏

وقال ابن حجر في الفتح نقلاً عن الطّبريّ‏:‏ لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها الّتي خلقها اللّه عليها بزيادة أو نقص التماساً للحسن، لا للزّوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن تكون لها سنّ زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنّتف، ومن يكون شعرها قصيراً أو حقيراً فتطوّله أو تغزره بشعر غيرها، فكلّ ذلك داخل في النّهي وهو من تغيير خلق اللّه تعالى‏.‏

ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضّرر والأذيّة، كمن يكون لها سنّ زائدة أو طويلة تعيقها عن الأكل، أو أصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها، فيجوز ذلك، والرّجل في هذا الأخير كالمرأة‏.‏

تزيين البيوت والأفنية

21 - تزيين البيوت والأفنية - بتنظيفها وترتيبها - مطلوب شرعاً، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّ اللّه طيّب يحبّ الطّيّب نظيف يحبّ النّظافة»

ويجوز تزيين البيوت بالدّيباج، وتجميلها بأواني الذّهب والفضّة بلا تفاخر عند الحنفيّة‏.‏

كما أجاز المالكيّة تزويق حيطان البيوت وسقفها وخشبها وساترها بالذّهب والفضّة‏.‏

وفصّل الشّافعيّة، فقالوا‏:‏ يحلّ الإِناء المموّه بالذّهب والفضّة، وكالإناء السّقوف والجدران ولو للكعبة والمصحف والكرسيّ والصّندوق وغير ذلك، إن لم يحصل بالعرض على النّار شيء منه، فإن كثر المموّه به بأن كان يحصل منه شيء بالعرض على النّار حرم‏.‏

ومحلّ الحلّ الاستدامة، أمّا الفعل فحرام مطلقاً‏.‏

وصرّحوا بكراهة تزيين البيوت للرّجال وغيرهم حتّى مشاهد الصّلحاء والعلماء بالثّياب، وحرمة تزيينها بالحرير والصّور لعموم الأخبار‏.‏

ويكره تزويق البيوت عند الحنابلة بالسّتور ما لم يكن لحاجة، ويحرم عندهم تزيينها بالدّيباج والحرير وآنية الذّهب والفضّة والمموّه بها - قليلاً كان أو كثيراً - وبصور الحيوانات، فإن كانت مزيّنةً بالنّقوش وصور شجر فلا بأس بذلك‏.‏ وانظر‏:‏ ‏(‏تصوير‏)‏‏.‏

تزيين المساجد

22 - يحرم تزيين المساجد بنقشها وتزويقها بمال الوقف عند الحنفيّة والحنابلة، وصرّح الحنابلة بوجوب ضمان الوقف الّذي صرف فيه، لأنّه لا مصلحة فيه‏.‏

وظاهر كلام الشّافعيّة منع صرف مال الوقف في ذلك‏.‏

ولو وقف الواقف ذلك عليهما - النّقش والتّزويق - لم يصحّ في القول الأصحّ عندهم، أمّا إذا كان النّقش والتّزويق من مال النّاقش فيكره اتّفاقاً في الجملة إذا كان يلهي المصلّي، كما إذا كان في المحراب وجدار القبلة، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا ساء عملُ قوم زخرفوا مساجدَهم»‏.‏

وفيما عدا جدار الكعبة تفصيل وخلاف ينظر في بحث‏:‏ ‏(‏مسجد‏)‏‏.‏

تزيين الأضرحة

23 - يكره تجصيص القبور والبناء عليها اتّفاقاً بين الفقهاء، لقول جابر رضي الله عنه‏:‏ «نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يجصّص القبر، وأن يبنى عليه» ولأنّ ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدّنيا، وتلك منازل الآخرة، وليست بموضع للمباهاة‏.‏ وكذا يكره تطيينها عند جمهور الفقهاء، وفي قول عند الحنفيّة جوازه‏.‏ وتفصيله في بحث‏:‏ ‏(‏قبر‏)‏‏.‏

حكم بيع ما يتزيّن به

24 - يجوز بيع ما تتزيّن به المرأة لزوجها من طيب وحنّاء وخضاب وكحل وغير ذلك ممّا أبيح استعماله ممّا يباع ويشترى، ولا يجب على الزّوج شراؤه لها من ماله، فإذا أراد أن تتزيّن له بذلك هيّأه لها، لأنّه هو المريد لذلك، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، فيما عدا الطّيب، فقد قالوا‏:‏ إنّه يجب عليه من الطّيب ما تقطع به الرّائحة الكريهة لا غير‏.‏ أمّا المالكيّة فقد قالوا‏:‏ يفرض لها ذلك على الزّوج إن تضرّرت بتركه وكان معتاداً لها‏.‏

الاستئجار للتّزيّن

25 - الأصل إباحة إجارة كلّ عين يمكن أن ينتفع بها منفعةً مباحةً مع بقائها، ولهذا صرّح الشّافعيّة والحنابلة بجواز الثّياب والحليّ للتّزيّن، فإنّ النّفقة بهما مباحة مقصودة مع بقاء عينها، والزّينة من المقاصد المشروعة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِه‏}‏‏.‏ وجواز إجارة حليّ الذّهب والفضّة بغير جنسه محلّ اتّفاق بينهم، وتردّد أحمد فيما إذا كانت الأجرة من جنسها، وروي عنه جوازه مطلقاً‏.‏

أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا بفساد إجارة مثل الثّياب والأواني للتّزيّن حيث قالوا‏:‏ لو استأجر ثياباً أو أواني ليتجمّل بها أو دابّةً ليجنيها بين يديه أو داراً لا ليسكنها‏.‏‏.‏‏.‏ فالإجارة فاسدة في الكلّ ولا أجر له، لأنّها منفعة غير مقصودة من العين‏.‏

ويجوز إجارة الألبسة للّبس، والأسلحة للجهاد، والخيام للسّكن وأمثالها إلى مدّة معيّنة مقابل بدل معلوم، والحليّ كاللّباس عندهم‏.‏

وكره المالكيّة إجارة الحليّ، لأنّه ليس من شأن النّاس، وقالوا‏:‏ الأولى إعارته لأنّها من المعروف‏.‏ هذا، وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة بجواز استئجار الماشطة لتزيّن العروس وغيرها إن ذكر العمل أو المدّة، والجواز مفهوم من قواعد المذاهب الأخرى أيضاً، لأنّ أصل التّزيّن مشروع، والإجارة على المنافع المشروعة صحيحة‏.‏

حكم إعارة ما يتزيّن به

26 - يجوز عند جمهور الفقهاء ‏(‏الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة‏)‏ إعارة كلّ عين ينتفع بها منفعةً مباحةً - مع بقائها على الدّوام من غير استهلاك بالتّجمّل والتّزيّن - كالنّقدين والحليّ ومنه القلائد وغيرها‏.‏ فعن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «هلكت قِلادة لأسماء، فبعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً، فحضرت الصّلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماءً فصلّوا وهم على غير وضوء، فذكروا ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه آية التّيمّم»‏.‏

زاد ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها «استعارت من أسماء» يعني أنّها استعارت من أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها القلادة المذكورة‏.‏

تساقط

انظر‏:‏ تهاتر‏.‏

تسامع

التّعريف

1 - التّسامع‏:‏ مصدر تسامع النّاس، وهو ما حصل من العلم بالتّواتر أو بالشّهرة أو غير ذلك، يقال‏:‏ تسامع به النّاس أي اشتهر عندهم، وسمعه بعضهم من بعض، وتسامع النّاس بفلان‏:‏ شاع بينهم عيبه‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ الأوّل‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإفشاء‏:‏

2 - الإفشاء‏:‏ نشر الخبر، سرّاً كان أو جهراً، ببثّه بين النّاس‏.‏

ب - الإعلام‏:‏

3 - الإعلام‏:‏ إيصال الخبر إلى شخص أو طائفة من النّاس، سواء أكان ذلك بالإعلان، أم بالتّحديث من غير إعلان‏.‏

ج - الإعلان‏:‏

4 - الإعلان‏:‏ المجاهرة بالقول أو الفعل، ويلاحظ فيه قصد الشّيوع والانتشار‏.‏

د - الإشهار‏:‏

5 - الإشهار‏:‏ مصدر أشهر، والشّهر مصدر شهر الشّيء، وكلاهما في اللّغة والاصطلاح بمعنى الإعلان والإظهار‏.‏

هـ – السّمع‏:‏

6 - السّمع‏:‏ قوّة في الأذن بها تدرك الأصوات، ويستعمل أيضاً بمعنى المسموع، وبمعنى الذِّكر‏.‏

الحكم الإجماليّ

7 - اتّفق الفقهاء على جواز الشّهادة بالتّسامع في ستّة أشياء هي‏:‏ العتق، والنّسب، والموت، والنّكاح، والولاء، والوقف‏.‏

8- وزاد الحنفيّة على السّتّة‏:‏ المهر - على الأصحّ - والدّخول بزوجته، وولاية القاضي، ومن في يده شيء - سوى رقيق لم يعلم رقّه ويعبّر عن نفسه‏.‏ وفي عدّ الأخير منها نظر ذكره في الفتح والبحر‏.‏

9- وزاد المالكيّة على السّتّة‏:‏ الشّهادة بملك الشّيء من عقار أو غيره لحائز له - وتقدّم بيّنة البتّ بالملك على بيّنة السّماع، إلاّ أن تشهد بيّنة السّماع بنقل الملك - وعزل قاض، وتعديل وتجريح لبيّنة، وإسلام وكفر لشخص معيّن، ورشد، وسفه لمعيّن، وفي النّكاح اشترطوا‏:‏ ادّعاء الحيّ منهما على الميّت ليرثه، أو ادّعاء أحد الزّوجين الحيّين ولم ينكر الآخر، وكانت الزّوجة في عصمته‏.‏ وأمّا لو ادّعاه أحدهما وأنكره الآخر فلا يثبت به النّكاح، وفي الطّلاق - وإن بخلع - يثبت بالسّماع الطّلاق لا دفع العوض، وبضرر زوج لزوجته - نحو‏:‏ لم نزل نسمع عن الثّقات وغيرهم أنّه يضارّها فيطلّقها عليه الحاكم - وبالولادة لإثبات أنّها أمّ ولد، أو لخروج من عدّة، وبالرّضاع، والحرابة، والإباق، والأسر، والفقد، والصّدقة، والهبة، واللّوث - نحو‏:‏ لم نزل نسمع بأنّ فلاناً قتل فلاناً، فتكون الشّهادة لوثاً تسوّغ للوليّ القسامة - والبيع، والقسمة، والوصيّة، والعسر واليسر‏.‏

قال الدّسوقيّ‏:‏ فجملة المسائل الّتي تقبل فيها شهادة السّماع ثلاثون مسألةً‏.‏

10 - وزاد الشّافعيّة على السّتّة‏:‏ الملك في الأصحّ عندهم، وتنبني الشّهادة فيه على ثلاثة أمور‏:‏ اليد والتّصرّف والتّسامع‏.‏

11 - وأمّا الحنابلة فقد زادوا على السّتّة‏:‏ الملك المطلق، والولادة، والطّلاق، والخلع، وأصل الوقف وشرطه، ومصرفه، والعزل، وهذه الأنواع عند الحنابلة على سبيل الحصر كما في المغني والفروع‏.‏

أمّا صاحب الإقناع وشرح المنتهى بعد أن ذكرها فقد قالا‏:‏ وما أشبه ذلك‏.‏

12 - واشترط الحنفيّة لجواز الشّهادة بما ذكر أن يحصل علم الشّاهد بهذه الأشياء عن خبر جماعة لا يتصوّر تواطؤهم على الكذب، ولو بلا شرط عدالة، أو شهادة عدلين‏.‏ أمّا في الموت فيكفي العدل ولو أنثى وهو المختار، وقيّده شارح الوهبانيّة بأن لا يكون المخبر متّهماً كوارث وموصًى له، ولو فسّر الشّاهد للقاضي أنّ شهادته بالتّسامع ردّت على الصّحيح إلاّ في الوقف والموت إذا فسّرا، وقالا فيه بأخبرنا من نثق به فتقبل على الأصحّ‏.‏ وقال في الهداية بعد أن ذكر ما يجوز الشّهادة فيه بالتّسامع‏:‏ يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبره بها من يثق به - وهذا استحسان - ووجهه أنّ هذه أمور تختصّ بالمعاينة، وتتعلّق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون، فلو لم تقبل فيها الشّهادة بالتّسامع أدّى إلى الحرج وتعطيل الأحكام، وإنّما يجوز للشّاهد أن يشهد بالاشتهار، وذلك بالتّواتر، أو بإخبار من يثق به، ويشترط أن يخبره رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان ليحصل له نوع علم، وقيل‏:‏ في الموت يكتفى بإخبار واحد أو واحدة‏.‏

13 - والشّافعيّة قالوا‏:‏ إنّ شرط التّسامع ليستند إليه في الشّهادة هو سماع المشهود به من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ويحصل الظّنّ القويّ بصدقهم، بشرط أن يكونوا مكلّفين، ولا يشترط فيهم حرّيّة ولا ذكورة ولا عدالة، وقيل‏:‏ يكفي التّسامع من عدلين إذا سكن القلب لخبرهما‏.‏

14 - وعند الحنابلة‏:‏ تجوز الشّهادة بالتّسامع فيما تظاهرت به الأخبار، واستقرّت معرفته في قلب الشّاهد، وهو ما يعلم بالاستفاضة‏.‏ والتّفصيل لما سبق في مصطلح ‏(‏شهادة‏)‏‏.‏

تسبّب

انظر‏:‏ سبب‏.‏

تسبيح

التّعريف

1 - من معاني التّسبيح في اللّغة‏:‏ التّنزيه‏.‏ تقول‏:‏ سبّحت اللّه تسبيحاً‏:‏ أي نزّهته تنزيهاً‏.‏ ويكون بمعنى الذّكر والصّلاة‏.‏ يقال‏:‏ فلان يسبّح اللّه‏:‏ أي يذكره بأسمائه نحو سبحان اللّه‏.‏ وهو يسبّح أي يصلّي السّبحة وهي النّافلة‏.‏ وسمّيت الصّلاة ذِكْراً لاشتمالها عليه، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسُبحَانَ اللّهِ حينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحون‏}‏ أي اذكروا اللّه‏.‏ ويكون بمعنى التّحميد نحو ‏{‏سُبْحَانَ الّذي سَخَّرَ لنا هذا‏}‏ وسبحان ربّي العظيم‏.‏ أي الحمد للّه‏.‏

ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن هذه المعاني، فقد عرّفه الجرجانيّ بأنّه‏:‏ تنزيه الحقّ عن نقائص الإِمكان والحدوث‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الذِّكْر‏:‏

2 - الذّكر من معانيه في اللّغة‏:‏ الصّلاة للّه والدّعاء إليه والثّناء عليه‏.‏

ففي الحديث‏:‏ «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمر صلّى»‏.‏

وفي اصطلاح الفقهاء قول سيق لثناء أو دعاء وقد يستعمل شرعاً لكلّ قول يثاب قائله، فالذّكر شامل للدّعاء فهو أعمّ من التّسبيح‏.‏

ب - التّهليل‏:‏

3 - هو قول لا إله إلاّ اللّه‏:‏ يقال‏:‏ هلّل الرّجل أي من الهيللة، من قول لا إله إلاّ اللّه‏.‏

ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذا‏.‏ فالتّسبيح أعمّ من التّهليل، لأنّ التّسبيح تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ نقص‏.‏ أمّا التّهليل فهو تنزيهه عن الشّريك‏.‏

ج - التّقديس‏:‏

4 - من معانيه في اللّغة تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ ما لا يليق به‏.‏

والتّقديس‏:‏ التّطهير والتّبريك‏.‏ وتقدّس أي تطهّر، وفي التّنزيل ‏{‏ونحنُ نُسبِّحُ بِحَمْدك وَنُقدِّسُ لك‏}‏ قال الزّجّاج‏:‏ معنى نقدّس لك‏:‏ أي نطهّر أنفسنا لك، وكذلك نفعل بمن أطاعك، والأرض المقدّسة أي المطهّرة‏.‏ ومعناه الاصطلاحيّ لا يخرج عن هذا‏.‏

والتّقديس أخصّ من التّسبيح، لأنّه تنزيه مع تبريك وتطهير‏.‏

حكمة مشروعيّة التّسبيح

5 - حكمة التّسبيح استحضار العبد عظمة الخالق، ليمتلئ قلبه هيبةً فيخشع ولا يغيب، فينبغي أن يكون ذلك هو مقصود الذّاكر، سواء أكان في الصّلاة أم في غيرها، فيحرص على تحصيله، ويتدبّر ما يذكر، ويتعقّل معناه، فالتّدبّر في الذّكر مطلوب، كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود، ولأنّه يوقظ القلب، فيجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النّوم، ويزيد النّشاط‏.‏

آداب التّسبيح

6 - آدابه كثيرة‏:‏ منها أنّه ينبغي أن يكون الذّاكر المسبّح على أكمل الصّفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة، وجلس متذلّلاً متخشّعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقّه‏.‏ لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل، والدّليل على عدم الكراهة قول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأرضِ واخْتِلافِ اللّيلِ والنّهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبهم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ‏}‏‏.‏

وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ إنّي لأقرأ حزبي، وأنا مضطجعة على السّرير‏.‏ وصيغه كثيرة، منها ما ينبغي أن يكون كما وردت به السّنّة، كما هو الحال في تسبيحات الرّكوع والسّجود ودبر الصّلوات‏.‏

ومنها ما هو مستحبّ، وهو ما كان في غير ذلك كالتّسبيحات ليلاً ونهارًا‏.‏

حكمه التّكليفيّ

7 - يختلف الحكم التّكليفيّ للتّسبيح بحسب موضعه وسببه على التّفصيل الآتي‏:‏

التّسبيح على طهر

8 - أجمع العلماء على جواز الذّكر بالقلب واللّسان للمحدث والجنب والحائض والنّفساء، وذلك في التّسبيح والتّهليل والتّحميد والتّكبير والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم والدّعاء وغير ذلك‏.‏ فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه»‏.‏ على أنّ ذكر اللّه على طهارة سواء أكان تسبيحاً أم غيره، أولى وأفضل لحديث‏:‏ «إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سلّم عليه أحد الصّحابة فلم يردّ عليه، حتّى تيمّم فردّ السّلام، ثمّ قال‏:‏ كرهت أن أذكر اللّه إلاّ على طهر»‏.‏

التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح

9- التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح وغيره مستحبّ عند عامّة الفقهاء، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بها وابْتَغ بينَ ذلك سَبِيلاً‏}‏ وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله‏.‏ فعن أبي قتادة رضي الله عنه «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج ليلةً فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلّي يخفض من صوته‏.‏ قال‏:‏ ومرّ بعمر رضي الله عنه وهو يصلّي رافعاً صوته قال‏:‏ فلمّا اجتمعا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تحفض صوتك ‏؟‏ قال‏:‏ قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول اللّه‏.‏ قال‏:‏ فارفع قليلاً وقال لعمر‏:‏ مررت بك وأنت تصلّي رافعاً صوتك ‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول اللّه‏:‏ أوقظ الوسنان وأطرد الشّيطان‏.‏ قال‏:‏ اخفض من صوتك شيئاً»‏.‏

وقال أبو سعيد رضي الله عنه «اعتكف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السّتر وقال‏:‏ ألا إنّ كلّكم مناج ربّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفعْ بعضكم على بعض في القراءة، أو قال في الصّلاة»‏.‏ والمراد بالتّوسّط أن يزيد على أدنى ما يسمع نفسه من غير أن تبلغ تلك الزّيادة سماع من يليه‏.‏

ما يجوز به التّسبيح

10 - أجاز الفقهاء التّسبيح باليد والحصى والمسابح خارج الصّلاة، كعدّه بقلبه أو بغمزه أنامله‏.‏ أمّا في الصّلاة، فإنّه يكره لأنّه ليس من أعمالها‏.‏ وعن أبي يوسف ومحمّد‏:‏ أنّه لا بأس بذلك في الفرائض والنّوافل جميعاً مراعاةً لسنّة القراءة والعمل بما جاءت به السّنّة‏.‏ فعن «سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنّه دخل مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على امرأة، وبين يديها نوًى أو حصًى تسبّح به، فقال‏:‏ أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل‏.‏ فقال‏:‏ سبحان اللّه عدد ما خلق في السّماء، وسبحان اللّه عدد ما خلق في الأرض، وسبحان اللّه عدد ما بين ذلك، وسبحان اللّه عدد ما هو خالق، والحمد للّه مثل ذلك، واللّه أكبر مثل ذلك، ولا إله إلاّ اللّه مثل ذلك، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه مثل ذلك» فلم ينهها عن ذلك، وإنّما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروهاً لبيّن لها ذلك‏.‏ وعن بسيرة الصّحابيّة المهاجرة رضي الله عنها «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمرهنّ أن يراعين بالتّكبير والتّقديس والتّهليل، وأن يعقدن بالأنامل فإنّهنّ مسئولات مستنطقات»‏.‏ وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ «رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعقد التّسبيح» وفي رواية «بيمينه»‏.‏

ونقل الطّحطاويّ عن ابن حجر قوله‏:‏ الرّوايات بالتّسبيح بالنّوى والحصى كثيرة عن الصّحابة في بعض أمّهات المؤمنين، بل رأى ذلك صلى الله عليه وسلم وأقرّ عليه‏.‏ وعقد التّسبيح بالأنامل أفضل من السّبحة، وقيل‏:‏ إن أمن الغلط فهو أولى، وإلاّ فهي أولى‏.‏

أوقاته وما يستحبّ منها

11 - ليس للذّكر - ومنه التّسبيح - وقت معيّن، بل هو مشروع في كلّ الأوقات‏.‏ روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه»‏.‏ وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبِهمْ‏}‏ ما يدلّ على استحباب الذّكر في جميع الأحوال الّتي يكون عليها الإنسان من يومه وليله‏.‏

إلاّ أنّ أحوالاً منها ورد الشّرع باستثنائها‏:‏ كالخلاء عند قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، وفي الأماكن المستقذرة والدّنسة، وما أشبه ذلك ممّا يكره الذّكر معه‏.‏ ولكن ورد في بعض الأخبار استحباب التّسبيح في أوقات خاصّة، من ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«من سبّح اللّه في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين، وكبّر اللّه ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة‏:‏ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» ويستحبّ التّسبيح في الإصباح والإمساء، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من قال حين يصبح وحين يمسي‏:‏ سبحان اللّه وبحمده مائة مرّة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممّا جاء به، إلاّ أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» وفي رواية أبي داود «سبحان اللّه العظيم وبحمده»‏.‏ ويستحبّ التّسبيح ونحوه عند الكسوف والخسوف، لما روي عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه قال‏:‏ «أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد كسفت الشّمس وهو قائم في الصّلاة رافع يديه، فجعل يسبّح ويهلّل ويكبّر ويحمد ويدعو حتّى حسر عنها‏.‏ فلمّا حسر عنها قرأ سورتين وصلّى ركعتين»‏.‏

التّسبيح في افتتاح الصّلاة

12 - هو سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

أمّا المالكيّة فإنّهم لا يرونه، بل كرهوه في افتتاحها‏.‏

واستدلّ الجمهور بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «إذا قمتم إلى الصّلاة فارفعوا أيديكم، ولا تخالف آذانكم، ثمّ قولوا‏:‏ اللّه أكبر، سبحانك اللّهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إله غيرك»‏.‏

وبما روت عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ «كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصّلاة قال‏:‏ سبحانك اللّهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك»‏.‏

واستدلّ المالكيّة بما روي عن «أنس رضي الله عنه قال‏:‏ صلّيت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، وكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين»‏.‏

ولم يذكروا التّسبيح في افتتاح الصّلاة لا من الفرائض ولا من السّنن‏.‏

التّسبيح في الرّكوع

13 - التّسبيح في الرّكوع سنّة عند الحنفيّة في المشهور، وقيل واجب‏.‏ ومستحبّ عند الشّافعيّة، ومندوب عند المالكيّة‏.‏ وواجب عند الحنابلة بتسبيحة واحدة، والسّنّة الثّلاث‏.‏ وأقلّ المسنون عند الحنفيّة والحنابلة‏.‏ والمستحبّ عند الشّافعيّة‏:‏ ثلاث تسبيحات‏.‏ لما رواه ابن مسعود رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا ركع أحدكم فقال‏:‏ سبحان ربّي العظيم ثلاثاً، فقد تمّ ركوعه، وذلك أدناه»

وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّه يندب التّسبيح بأيّ لفظ كان بركوع وسجود‏.‏

ونصّ ابن جزيّ على أنّه يستحبّ في الرّكوع سبحان ربّي العظيم ثلاث مرّات‏.‏

ودليله ما ورد أنّه «لمّا نزل قول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏فسبّحْ باسْمِ ربِّكَ العظيم‏}‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعلوها في ركوعكم» والتّسبيح فيه لا يتحدّد بعدد، بحيث إذا نقص عنه يفوته الثّواب، بل إذا سبّح مرّةً يحصل له الثّواب، وإن كان يزاد الثّواب بزيادته‏.‏

والزّيادة على هذه التّسبيحات أفضل إلى خمس أو سبع أو تسع بطريق الاستحباب عند الحنفيّة‏.‏ وفي منية المصلّي‏:‏ أدناه ثلاث، وأوسطه خمس، وأكمله سبع‏.‏

وأدنى الكمال عند الشّافعيّة في التّسبيح ثلاث ثمّ خمس ثمّ سبع ثمّ تسع ثمّ إحدى عشرة وهو الأكمل‏.‏ وهذا للمنفرد ولإمام قوم محصورين رضوا بالتّطويل‏.‏

أمّا غيره فيقتصر على الثّلاث، ولا يزيد عليها للتّخفيف على المقتدين‏.‏

ويزيد المنفرد وإمام قوم محصورين على ذلك‏:‏ اللّهمّ لك ركعت، وبك آمنت إلخ‏.‏

قال في الرّوضة‏:‏ وهذا مع الثّلاث أفضل من مجرّد أكمل التّسبيح‏.‏

والزّيادة على التّسبيحة الواحدة مستحبّة عند الحنابلة، فأعلى الكمال في حقّ الإمام يزاد إلى عشر تسبيحات، لما روي عن «أنس رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ ما رأيت أحداً أشبه صلاةً بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات»‏.‏ وقال أحمد‏:‏ جاء عن الحسن أنّ التّسبيح التّامّ سبع، والوسط خمس، وأدناه ثلاث‏.‏ وأعلى التّسبيح في حقّ المنفرد العرف، وقيل‏:‏ ما لم يخف سهواً، وقيل‏:‏ بقدر قيامه، وقيل‏:‏ سبع‏.‏

التّسبيح في السّجود

14 - يقال في السّجود ما قيل في الرّكوع، من حيث الصّفة والعدد والاختلاف في ذلك‏.‏ فالتّسبيح في السّجود سنّة عند الحنفيّة في المشهور، وقيل واجب‏.‏ ومندوب عند المالكيّة‏.‏ ومستحبّ عند الشّافعيّة‏.‏ وواجب عند الحنابلة في أقلّه، وهو الواحدة، وسنّة في الثّلاث، كما في الرّكوع‏.‏ ولا خلاف إلاّ في أنّ تسبيح السّجود أن يقول‏:‏ سبحان ربّي الأعلى، أمّا في الرّكوع فيقول‏:‏ سبحان ربّي العظيم‏.‏

تسبيح المقتدي تنبيهاً للإمام

15 - لو عرض للإمام شيء في صلاته سهواً منه كان للمأموم تنبيهه بالتّسبيح استحباباً، إن كان رجلاً، وبالتّصفيق إن كانت أنثى عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

لحديث‏:‏ «إنّما التّصفيقُ للنّساء، ومن نَابَه شيء في صلاته فلْيقُلْ سبحان اللّه»‏.‏

وأمّا المالكيّة فكرهوا للمرأة التّصفيق في الصّلاة مطلقاً، وقالوا‏:‏ إنّها تسبّح لعموم حديث‏:‏ «من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللّه» ووجه الاستدلال أنّ ‏(‏من‏)‏ من ألفاظ العموم فيشمل النّساء‏.‏

تنبيه المصلّي غيره بالتّسبيح

16 - إذا أتى المصلّي بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره إلى أنّه في صلاة، كأن يستأذن عليه إنسان يريد الدّخول وهو في الصّلاة، أو يخشى المصلّي على إنسان الوقوع في بئر أو هلكة، أو يخشى أن يتلف شيئاً، كان للمصلّي استحباباً أن يسبّح تنبيهاً له، وتصفّق المرأة على الخلاف السّابق بيانه‏.‏ للحديث المذكور آنفاً، ولقوله عليه الصلاة والسلام «من نابه شيء في صلاته فليقل‏:‏ سبحان اللّه، فإنّه لا يسمعه أحد يقول سبحان اللّه إلاّ التفت»

وفي المسند عن عليّ رضي الله عنه‏:‏ «كان لي من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنته إن وجدته يصلّي فسبّح دخلت، وإن وجدته فارغاً أذن لي»‏.‏

وعند الحنيفة تبطل الصّلاة إذا محّض التّسبيح للإعلام، أو قصد به التّعجّب أو نحو ذلك‏.‏‏.‏ ومذهب الشّافعيّة أنّ التّسبيحات في الصّلاة ‏"‏ لا تضرّ إلاّ ما كان فيه خطاب لمخلوق غير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

ومذهب المالكيّة والحنابلة أنّ كلّ ذلك لا يؤثّر في صحّة الصّلاة‏.‏

التّسبيح أثناء الخطبة

17 - قال الحنفيّة بكراهة التّسبيح لمستمع الخطبة، لأنّه يشغله عن سماعها‏.‏

فإن كان بعيداً عن الخطيب ولا يسمعه فلا بأس به سرّاً عند بعض الحنفيّة، والمعتمد في المذهب المنع مطلقاً للقريب والبعيد السّامع وغيره‏.‏

وعند المالكيّة يجوز الذّكر - على أنّه خلاف الأولى على المعتمد عندهم - من تسبيح وتهليل وغير ذلك، إن كان قليلاً وبالسّرّ، ويحرم الكثير مطلقاً، كما يحرم القليل إذا كان جهراً‏.‏ والشّافعيّة والحنابلة لم يتعرّضوا للتّسبيح بخصوصه، لكن تعرّضوا للذّكر أثناء الخطبة، فقالوا‏:‏ الأولى لغير السّامع للخطبة أن يشتغل بالتّلاوة والذّكر‏.‏ وأمّا السّامع فلا يشتغل بشيء من ذلك إلاّ بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سمع ذكره‏.‏

التّسبيح في افتتاح صلاة العيدين وبين تكبيرات الزّوائد فيها

18 - الثّناء عقب تكبيرة الافتتاح في صلاة العيدين سنّة عند الحنفيّة والحنابلة، مستحبّ عند الشّافعيّة، وهو كما في افتتاح الصّلاة على نحو ما سبق بيانه‏.‏

والتّسبيح بين التّكبيرات الزّوائد في صلاة العيدين سنّة كذلك عند الحنفيّة والحنابلة ومستحبّ عند الشّافعيّة، ولا يقول به المالكيّة، بل كرهوه، أو أنّه خلاف الأولى عندهم، فلا يفصل الإمام بين آحاده إلاّ بقدر تكبير المؤتمّ، بلا قول من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير‏.‏

وليس فيه عند الحنفيّة ذكر مسنون بين هذه التّكبيرات، ولا بأس بأن يقول‏:‏ سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر‏.‏ وهو أولى من السّكوت، كما في القهستانيّ‏.‏

وعند الشّافعيّة‏:‏ يذكر اللّه بين كلّ تكبيرتين بالمأثور، وهو عند الأكثرين منهم‏:‏ سبحان اللّه، والحمد للّه، ولا إله إلاّ اللّه، واللّه أكبر‏.‏ ويجوز عند الحنابلة أن يقول بين كلّ تكبيرتين من هذه التّكبيرات‏:‏ اللّه أكبر كبيراً، والحمد للّه كثيراً، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً، وصلّى اللّه على محمّد النّبيّ وآله وسلّم تسليماً كثيراً، لقول عقبة بن عامر سألت ابن مسعود رضي الله عنه ممّا يقوله بين تكبيرات العيد فقال‏:‏ يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم رواه الأثرم وحرب واحتجّ به أحمد‏.‏

التّسبيح للإعلام بالصّلاة

19 - اختلف في تسبيح المؤذّنين للإعلام بالصّلاة بين كونه بدعةً حسنةً، أو مكروهةً على خلاف سبق في مصطلح‏:‏ ‏(‏أذان‏)‏‏.‏

صلاة التّسبيح

20 - ورد في صلاة التّسبيح حديث اختلف في صحّته‏.‏

وللفقهاء خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ‏(‏صلاة التّسبيح‏)‏‏.‏

أماكن ينهى عن التّسبيح فيها

21 - لمّا كان التّسبيح نوعاً من الذّكر، وهو مكروه في الأماكن التّالية، كان التّسبيح مكروهاً كذلك فيها، لأنّ النّهي عن العامّ نهي عن الخاصّ، وذلك تنزيهاً لاسم اللّه عن الذّكر في هذه الأماكن المستقذرة طبعاً‏.‏ فيكره التّسبيح وغيره من الذّكر في الخلاء عند قضاء الحاجة، وفي مواضع النّجاسات والقاذورات، والمواضع الدّنسة بنجاسة أو قذارة، وعند الجماع، وفي الحمّام والمغتسل، وما أشبه ذلك متى كان باللّسان‏.‏ أمّا بالقلب فقط فإنّه لا يكره‏.‏ وما لم تكن هناك ضرورة له كإنقاذ أعمى من الوقوع في بئر أو غيره، أو تحذير معصوم من هلكة كغافل أو ما أشبه ذلك‏.‏ والأولى التّحذير بغير التّسبيح والذّكر في مثل هذه الحالات‏.‏ كما يكره الذّكر - ومنه التّسبيح - لمن يسمع صوت الخطيب في الجمعة لما تقدّم‏.‏

التّعجّب بلفظ التّسبيح

22 - يجوز التّعجّب بلفظ التّسبيح‏.‏ ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لقي أبا هريرة، وأبو هريرة جنب، فانسلّ، فذهب فاغتسل، فتفقّده النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا جاء قال‏:‏ أين كنت يا أبا هريرة ‏؟‏ قال‏:‏ يا رسول اللّه لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتّى أغتسل‏.‏ فقال‏:‏ سبحان اللّه ‏!‏، إنّ المؤمن لا ينجس»‏.‏ وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه «أنّ أخت الرّبيّع أمّ حارثة جرحت إنساناً، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ القصاص القصاص فقالت أمّ الرّبيّع‏:‏ يا رسول اللّه أتقتصّ من فلانة ‏؟‏ واللّه لا يُقْتَصُّ منها‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ القصاص كتاب اللّه‏.‏ سبحان اللّه يا أمّ الرّبيّع ‏!‏»‏.‏

التّسبيح أمام الجنازة

23 - يكره عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لمشيّع الجنازة رفع صوته بالذّكر والتّسبيح، لأنّه من البدع المنكرات، ولا كراهة في ذلك لو كان في نفسه سرّاً، بحيث يسمع نفسه، ويستحبّ له أن يشغل نفسه بذكر اللّه والتّفكير فيما يلقاه الميّت، وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا‏.‏ ويتجنّب ذكر ما لا فائدة فيه من الكلام، فعن قيس بن عبادة رضي الله عنه أنّه قال‏:‏ «كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصّوت عند الجنائز، وعند القتال، وعند الذّكر»، ولأنّه تشبّه بأهل الكتاب فكان مكروهاً‏.‏

التّسبيح عند الرّعد

24 - التّسبيح عند الرّعد مستحبّ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، فيقول سامعه عند سماعه‏:‏ سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته، اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا من قبل ذلك‏.‏ فقد روى مالك في الموطّأ عن عبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنهما «أنّه كان إذا سمع الرّعد ترك الحديث وقال‏:‏ سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته»، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال‏:‏ «كنّا مع عمر رضي الله عنه في سفر، فأصابنا رعد وبرق وبرد، فقال لنا كعب رضي الله عنه‏:‏ من قال حين يسمع الرّعد‏:‏ سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته - ثلاثاً - عوفي من ذلك الرّعد، فقلنا فعوفينا»‏.‏

قطع التّسبيح

25 - الفقهاء متّفقون على أنّ المسبِّح وغيره من الذّاكرين، أو التّالين لكتاب اللّه، إذا سمعوا المؤذّن - وهو يؤذّن أذاناً مسنوناً - يقطعون تسبيحهم، وذكرهم وتلاوتهم، ويجيبون المؤذّن‏.‏ وهو مندوب عند الجمهور‏.‏ وهناك قول عند الحنفيّة بالوجوب‏.‏

ثواب التّسبيح

26 - ثواب التّسبيح عظيم، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّتْ خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر» وفي الباب أحاديث كثيرة‏.‏

تسبيل

التّعريف

1 - من معاني التّسبيل لغةً واصطلاحاً جعل الشّيء في سبيل اللّه‏.‏ يقال‏:‏ سبّل فلان ضيعته تسبيلاً‏:‏ أي جعلها في سبيل اللّه، وسبّلتُ الثّمرة‏:‏ حملتها في سبيل الخير وأنواع البرّ‏.‏ وفي حديث وقْفِ عمر رضي الله عنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدّقت بها» أي‏:‏ اجعلها وقفاً وأَبِحْ ثمرتها لمن وقفتها عليه‏.‏ وسبّلتَ الشّيء‏:‏ إذا أبحته، كأنّك جعلت إليه طريقاً مطروقةً‏.‏ وسبيل اللّه عامّ يقع على كلّ عمل خالص سلك به طريق التّقرّب إلى اللّه تعالى بأداء الفرائص والنّوافل وأنواع التّطوّعات، وقد يطلق السّبيل على حوض الماء المباح للواردين‏.‏

وفي النّظم المستعذب في شرح غريب المهذّب تسبيل الثّمرة‏:‏ أن يجعل الواقف لها سبيلاً‏:‏ أي طريقاً لمصرفها‏.‏ وفي كشّاف القناع‏:‏ تسبيل المنفعة‏:‏ أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعيّنة تقرّباً إلى اللّه تعالى‏.‏

ويطلق التّسبيل أيضاً - اصطلاحاً - على الوقف، يقال‏:‏ سبّلت الدّار أي وقفتها‏.‏

فالتّسبيل من ألفاظ الوقف الصّريحة عند الشّافعيّة والحنابلة، بأن يقول الواقف‏:‏ سبّلت داري لسكنى فقراء بلدة كذا وساكنيها‏.‏

فلفظ التّسبيل صريح في الوقف، لأنّه موضوع له ومعروف فيه، وثبت له عرف الشّرع، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه‏:‏ «إن شئت حبست أصلها وسبّلت ثمرتها» فصار هذا اللّفظ في الوقف كلفظ التّطليق في الطّلاق‏.‏ وإضافة التّحبيس إلى الأصل والتّسبيل إلى الثّمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى، فإنّ الثّمرة محبّسة أيضاً على ما شرط صرفها إليه‏.‏ وأمّا عند الحنفيّة، لو قال الواقف‏:‏ أرضي هذه للسّبيل إن تعارفوا وقفاً مؤبّداً، كان كذلك‏.‏ وإلاّ سئل فإن قال‏:‏ أردت الوقف صار وقفاً، لأنّ لفظه يحتمل ذلك، أو قال‏:‏ أردت معنى الصّدقة فهو نذر، فيتصدّق بها أو بثمنها‏.‏ وإن لم ينو كانت ميراثاً‏.‏

وأمّا المالكيّة فالّذي يظهر من كلامهم أنّ جعل الشّيء في السّبيل يقتضي التّصدّق بعينه ما لم توجد قرينة تصرفه إلى معنى وقف العين والتّصدّق بثمرتها أو منفعتها‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - التّسبيل قربة مندوب إليها بالاتّفاق، لحديث «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة‏:‏ إلاّ من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وافْعَلُوا الخَيرَ‏}‏ وفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ «عمر رضي الله عنه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان قد ملك مائة سهم من خيبر فقال‏:‏ قد أصبتُ مالاً لم أُصِبْ مثله، وقد أردت أن أتقرّب به إلى اللّه تعالى، فقال إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها»، وقال جابر‏:‏ لم يكن أحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلاّ وقف وتفصيله في مصطلح ‏(‏صدقة - وقف‏)‏‏.‏

تسجيل

انظر‏:‏ توثيق‏.‏